الخطيب الشربيني
477
مغني المحتاج
تنبيه : قد يفهم قول المصنف : لو أقر بمطلوبها فأنكر أن من لا يقبل إقراره لا يحلف ، وهو كذلك ، لكن يستثنى منه صورتان : الأولى لو ادعى على من يستخدمه أنه عبد فأنكر فإنه يحلف وهو لو أقر بعد إنكاره الرق لم يقبل ، لكن فائدة التحليف ما يترتب على التفويت من تغريم القيمة لو نكل . الثانية : لو جرى العقد بين وكيلين فالأصح في زوائد الروضة في اختلاف المتبايعين تحالفهما مع أن إقرار الوكيل لا يقبل ، لكن فائدته الفسخ . ثم شرع في بيان فائدة اليمين فقال : ( واليمين ) غير المردودة ( تفيد قطع الخصومة ) وعدم المطالبة ( في الحال ) و ( لا ) تفيد ( براءة ) لذمة المدعى عليه ، لما رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس : أن النبي ( ص ) أمر رجلا بعد ما حلف بالخروج من حق صاحبه كأنه ( ص ) علم كذبه كما رواه أحمد . على أن اليمين لا توجب براءة ، ( فلو حلفه ) المدعى عليه ( ثم أقام ) المدعي ( بينة ) بمدعاة شاهدين فأكثر ، وكذا شاهد ويمين كما قاله ابن الصباغ وغيره ، ( حكم بها ) وإن نفاها المدعى حين الحلف ، لقوله ( ص ) : البينة العادلة حق من اليمين الفاجرة رواه البخاري . فإن قيل : ينبغي أن لا يحكم بالبينة بعد اليمين ، لقوله ( ص ) : شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ، فنص على أنه ليس له إلا أحدهما لا كلاهما . أجيب بأنه حصر حقه في النوعين ، أي لا ثالث لهما وأما منع جمعهما فلا دلالة للحديث عليه . تنبيه : لو ردت اليمين على المدعي فنكل ثم أقام بينة حكم بها لاحتمال أن يكون نكوله للتورع عن اليمين الصادقة . ولو قال بعد إقامة بينة بدعواه : بينتي كاذبة أو مبطلة سقطت ولم تبطل دعواه . واستثنى البلقيني ما إذا أجاب المدعى عليه وديعة بنفي الاستحقاق وحلف عليه ، فإن حلفه يفيد البراءة حتى لو أقام المدعي بينة بأنه أودعه الوديعة المذكورة لم تؤثر فإنها لا تخالف ما حلف عليه من نفي الاستحقاق . فرع : لو اشتملت دعوى على شخص واحد على أنواع وأراد المدعي أن يحلفه على بعضها دون بعض أجيب ، ولو أراد أن يحلفه على كل نوع منها يمينا نظر ، إن فرقها في الدعوى أجيب ، وإلا فلا ، قاله الماوردي . ( ولو قال المدعى عليه ) الذي طلب المدعي تحليفه : ( قد حلفني مرة ) على ما ادعاه فليس له تحليفي ثانيا ( فليحلف أنه لم يحلفني ) قبل ذلك ، ( مكن ) من تحليفه المدعي ( في الأصح ) لأن ما قاله محتمل غير مستبعد . والثاني : المنع ، لأنه لا يؤمن أن يدعي المدعي أنه حلف على أنه ما حلفه ، وهكذا فيدور الامر ولا ينفصل . وأجيب بعدم سماع ذلك من المدعي لئلا يتسلسل . وعلى الأول لو نكل المدعى حلف المدعى عليه وتخلص من الخصومة ، فلو قصد أن يحلف يمين الأصل لا يمين التحليف المردودة عليه فليس له ذلك إلا بعد استئناف الدعوى لأنهما الآن في دعوى أخرى . تنبيه : هذا كله إذا قال : حلفني عند قاض آخر أو أطلق ، فإن قال : حلفني عندك ، فإن حفظ القاضي ذلك لم يحلفه ومنع المدعي من طلبه ، وإن لم يحفظه حلفه ولا ينفعه إقامة البينة عليه ، لأن القاضي متى تذكر حكمه أمضاه وإلا فلا يعتمد غيره . قال الأذرعي : ويشبه أن يقال عند الاطلاق يستفسره القاضي لأنه قد يحلفه ويظن أنه كتحليف القاضي ، لا سيما إذا كان خصمه لا يتفطن لذلك . ثم شرع في بيان النكول وحكمه فقال : ( وإذا نكل ) المدعى عليه عن يمين طلبت منه ، ( حلف المدعي ) اليمين المردودة لتحول الحق إليه ، ( وقضى له ) بمدعاه ، ( ولا يقضى بنكوله ) أي المدعى عليه خلافا لأبي حنيفة وأحمد لأنه ( ص ) رد اليمين على طالب الحق رواه الحاكم وصحح إسناده ، وقال تعالى : * ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) * أي بعد الامتناع من الايمان الواجبة ، فدل على نقل الايمان من جهة إلى جهة ، المعنى أن النكول كما يحتمل أن يكون تحرزا عن اليمين الكاذبة يحتمل أن يكون تورعا عن اليمين الصادقة فلا يقضى مع التردد .